الدرهم الرقمي بالمغرب: بنك المغرب يؤكد الجدوى التقنية بحذر
ورقة بحثية جديدة لبنك المغرب تؤكد نجاح التجربة التقنية للدرهم الرقمي بدعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لكنها تدعو إلى مقاربة تدريجية وحذرة دون تحديد موعد للإطلاق الفعلي.
كشف بنك المغرب، في ورقة بحثية أعدها ثلاثة من خبرائه هم شيماء الشاوي وكمال لحلو ومحمد ميكو، أن النسخة التجريبية من "الدرهم الرقمي" أثبتت جدواها التقنية، بعد تجربة استفادت من دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ورغم هذه النتيجة، شدد الباحثون على أن إصدار عملة رقمية وطنية يبقى "خيارا بعيد المدى" يستوجب مقاربة تدريجية وحذرة وتشاركية، دون تحديد أي جدول زمني للإطلاق الفعلي.
ماذا تضمنت التجربة؟
اختبر بنك المغرب نموذجا أوليا لعملة رقمية موجهة للأفراد، شمل إصدارها وتوزيعها عبر الوسطاء، والاحتفاظ بها في محافظ رقمية، وإجراء مدفوعات مباشرة بين الأفراد، إضافة إلى التحقق من قابليتها للعمل دون اتصال بالإنترنت وتفاعلها مع البنية التحتية المالية القائمة. وقارن الباحثون بين حلين تقنيين، أحدهما مركزي والآخر موزع، مع تقييم مخاطر الأمن السيبراني وحماية المعطيات وقدرة البنية التحتية على استيعاب عدد كبير من المستخدمين.
ووفق التصميم المقترح، سيتولى بنك المغرب إصدار العملة والإشراف عليها، فيما تتكفل البنوك ومؤسسات الأداء بالتوزيع والعلاقة مع الزبناء، على أن تكون العملة في مرحلتها الأولى بدون فائدة ومحدودة السقف من حيث الحيازة والمعاملات، وقابلة للتحويل الكامل بالقيمة الاسمية لـالدرهم.
تجارب دولية متفاوتة
استند الباحثون إلى استطلاع أجراه بنك التسويات الدولية شمل 93 بنكا مركزيا، يغطي نحو 76% من سكان العالم و94% من الناتج الإجمالي العالمي، وكشف تباينا كبيرا في معدلات التبني:
| الدولة | العملة الرقمية | مستوى التبني / الوضع الحالي |
|---|---|---|
| الصين | اليوان الرقمي | نحو 225 مليون محفظة رقمية وأكثر من 3 مليارات معاملة حتى شتنبر 2025 |
| الهند | الروبية الرقمية | نحو 7 ملايين مستخدم، مقابل 242 مليار معاملة عبر منصة الدفع الفوري UPI |
| الباهاماس | ساند دولار | أقل من 1% من الكتلة النقدية المتداولة |
| نيجيريا | إي-نايرا | أقل من 1% من الكتلة النقدية المتداولة |
| روسيا | الروبل الرقمي | انطلق تشغيله الفعلي في فاتح شتنبر 2026 |
| منطقة اليورو | اليورو الرقمي | تجربة ابتداء من 2027 وإصدار أولي محتمل سنة 2029 بسقف 3000 يورو للفرد |
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة ودولا أخرى أوقفت أو جمدت مشاريعها في هذا المجال، وهو ما يفسر دعوة الباحثين المغاربة إلى الحذر قبل أي التزام بإصدار فعلي.
لماذا يهم المغاربة؟
يربط البنك المركزي مشروع العملة الرقمية بواقع الشمول المالي بالمغرب، حيث ارتفعت الكتلة النقدية المتداولة من نحو 70 مليار درهم سنة 2001 إلى أكثر من 500 مليار درهم سنة 2025، في حين لا يملك حسابا بنكيا سوى 62% من البالغين المقيمين، مع فجوة واضحة لدى فئة الشباب بين 15 و24 سنة. كما يسهم القطاع غير المهيكل، الذي يضم أكثر من مليوني وحدة ويمثل نحو 30% من القيمة المضافة و75% من التشغيل، في تعقيد مهمة الإدماج المالي، إذ لا يتوفر سوى 2% من أصحاب هذه الوحدات على حساب بنكي مخصص لنشاطهم.
ويرى معدو الورقة أن الدرهم الرقمي قد يسهم مستقبلا في خفض تكلفة وتسريع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي تعادل نحو 8% من الناتج الداخلي الإجمالي، عبر مشروع تجريبي ثان يجمع بنك المغرب بالبنك المركزي المصري لاختبار المدفوعات العابرة للحدود، استنادا إلى مشروع "إم بريدج" الدولي الذي خفض تكاليف بعض التحويلات بنسبة تصل إلى 50%.
شروط النجاح
حدد الباحثون أربعة شروط أساسية لنجاح أي مشروع مستقبلي: التزام سياسي واضح وإطار قانوني محدد، وبنية تحتية رقمية ناضجة تشمل الألياف الضوئية وشبكات الجيل الخامس ومراكز المعطيات مع حوكمة صارمة للأمن السيبراني، ومنظومة أداء تنافسية قابلة للتشغيل البيني، وحملات توعية وتربية مالية ورقمية، باعتبار أن العملة الرقمية وحدها لن تحل إشكالية الإقصاء المالي.

